الرئيسية » تعريف عن مدينة وادي حلفا

بعد أكثر من خمسين عاما من تهجير سكانها بدأت الحياة الطبيعية تعود لمدينة وادي حلفا السودانية حيث عاد آلاف المواطنين لمنطقتهم التي غمرتها مياه السد العالي في ستينيات القرن الماضي.
وادي حَلْفَا مدينة تقع في أقصى شمال السودان، في الولاية الشمالية على بعد 909 كلم من العاصمة الخرطوم شمالا و345 كيلومترا جنوب مدينة أسوان في مصر وتعتبر بوابة السودان الشمالية وأولى مدنه المرتبطة بمصر وما بعدها شمالاً منذ قرون طويلة.
قامت حلفا في منطقة حضارات قديمة في مقدمتها الحضارة النوبية ثم الرومانية والمسيحية والإسلامية وتأثرت ببناء السد العالي في منتصف القرن الماضي في مصر حيث غمرتها مياه بحيرته وهُجّر سكانها إلى شرق السودان قبل أن يُعاد إحياؤها مجدداً ويتم تطويرها على ضفاف بحيرة السد المعروفة باسم بحيرة النوبة.

وتعتبر حلفا من المدن التاريخية التي يعود عهدها إلى الحضارة النوبية القديمة وكانت تعج بالآثار النوبية الفرعونية والمسيحية. نشأت في البداية بين الشلالين الأول والثاني في موقع بوهين القديمة عاصمة الأسرة النوبية الثانية، على الضفة الشرقية لنهر النيل وكانت تعرف بالتوفيقية نسبة إلى الخديوي توفيق باشا.

لكن الحكومتين المصرية والسودانية اتفقتا على تهجير سكان المناطق المغمورة بالمياه إلى مجمعات استيطانية جديدة واختارت الحكومة السودانية منطقة خشم القربة في شرق السودان والمطلة على نهر عطبرة لبناء حوالي 25 قرية جديدة تحمل ارقاماً بدل الأسماء «القرية 1، القرية 2، القرية 6 وهكذا» لاستيعاب سكان المنطقة الواقعة بين قريتي فرس في أقصى شمال وادي حلفا على الحدود المصرية وقرية الدكة في الجنوب، وإنشاء مدينة جديدة باسم حلفا الجديدة.
كما تم تشييد سد في خشم القربة لريّ الأراضي الزراعية التي وزعت على السكان الجدد عوضاً عن ما فقدوه من أراض وبساتين نخيل، لكن الحلفاويين كانوا يحنون لمنطقة أسلافهم ويظهر هذا الحنين في أغنياتهم النوبية ولم يستوعبوا المنطقة الجديدة موطنا لهم.

بدأت عملية تهجير سكان المناطق المغمورة بالمياه في تشرين الأول/أكتوبر 1963 وانتهت في حزيران/يونيو 1964.

وكانت توجد عدة مواقع ومعالم سياحية في حلفا القديمة أهمها جزيرة صاي، بحيرة النوبة، حمامات عكاشة، واحة سليم، آثار بوهين وغيرها.

وقامت المدينة في منطقة تحتوي على العديد من الآثار النوبية وأبرزها آثار معابد بوهين وسمنة شرق وسمنة غرب وكاتدرائية فرس وقد نُقلت إلى المتحف القومي في الخرطوم.

يهتم النوبيون «سكان حلفا وما جاورها» بفنونهم خاصة الغناء. يعدّ الفنان صالح محمد موسى الشهير بصالح ولولي «توفي في نيسان/أبريل من العام الحالي» من أبرز فناني النوبة وساهم في حفظ تراث النوبة الشفاهي قبل التهجير في عام 1963 ويقول: «قمت بتأليف أغانٍ عديدة من أجل أرضنا العظيمة وادي حلفا».

وفي عام 1957 سجل صالح ولولي عدداً من الأغاني للإذاعة «السودانية» وبلغ عددها الآن 67 أغنية وفي إذاعة «وادي النيل» في القاهرة له 35 أغنية مسجلة إضافة الى أغانٍ أخرى سجلها في السعودية والكويت وفرنسا.

وفي إطار الحملة العالمية لإنقاذ آثار النوبة جاء وفد هيئة اليونسكو لتسجيل بعض الأغاني والموروث الشفاهي للنوبة وذلك في الفترة من 1957 ـ 1962 فقام صالح بتسجيل 46 أغنية لهذا الوفد.

سارت ابنته ذكريات على دربه وأصبحت مغنية دون بقية أخواتها أما لقب «ولولي» فيعود إلى إحدى أغنياته وهي باللغة النوبية، ويبلغ عدد أغنياته 2000 أغنية وفاز بالعديد من الجوائز منها الجائزة الأولى من بين ثلاثين فرقة مختلفة على مستوى العالم وكانت في فرنسا عام 1997.

وظهرت أيضا فرقة «البلابل» المكونة من ثلاث مغنيات نوبيات عبّرن في كثير من أغنياتهن عن وجدان المنطقة. وأيضا الفنان الراحل محمد وردي وهو من أبرز الذين حفظوا تراث النوبة الشفاهي من خلال أغنياته النوبية بل أنه كان شاعرا بهذه اللغة ويقول الباحث ميرغني ديشاب عنه:
«لقد أخفى محمد وردي شاعريته دائماً ولم يظهرها إلا في شعره النوبي حيث له إحدى وعشرين أغنية نوبية من شعره».

يعتد أهالي حلفا كثيرا بحضارتهم ويقول الاستاذ عمر باشري في كتابه رواد الفكر السوداني:»التماسك العضوي التاريخي والانثروبولجي لم ينشأ من مدينة حلفا ولكنه نشأ من أهلها، فكلهم متحدون في لغتهم وعاداتهم وقيمهم ويمتصون كل هجرة وافدة ويصيغونها في أقاليمهم». ويضيف إن الحضارة النوبية القديمة هي أساس حضارة السودان وهي التي حفظت الصورة الواضحة للسودان القديم.

ومن أبرز الوثائق عن تهجير الحلفاويين كتاب «هجرة النوبيين» لمؤلفه الراحل حسن دفع الله الذي عمل إداريا في منطقة حلفا لمدة ستة أعوام، ومعتمداً للتهجير لحلفا الجديدة وكان شاهد عيان على قصة تهجير أهالي حلفا ووضع في الكتاب تجربته وأحاسيسه ومعايشته ومعلوماته.

ومن المشاهد المؤثرة في وجدان أهل المنطقة لحظة الفراق التي صورها حسن دفع الله في كتابه، وكان ذلك في فجر السادس من كانون الثاني/ينايرعام 1964 حيث يقول «تم تجهيز قطار الركاب وإعداده في المحطة، وكان الممرضون ينظفون عربة المستشفى ويضعون المساند على الأسرة لاستقبال أي مريض أثناء الرحلة الطويلة، وأدخل أولا المرضى والمسنون والحوامل ممن كان حملها متقدما تحت إشراف الطبيب للأماكن المخصصة لهم، ثم حلت ساعة الفراق، حيث دخل معظم أرباب الأسر إلى منازلهم لإلقاء النظرة الأخيرة عليها ثم خرجوا وهم ينزعون المفاتيح الخشبية من الأبواب الخارجية تذكارا وجدانيا عزيزاً، واتجهوا بعد ذلك في موكب كبير إلى المقابر لقراءة الفاتحة على قبور أسلافهم وموتاهم وعادوا يذرفون الدموع ويبكي بعضهم بحرقة وعويل، وظلوا يديمون النظر إلى موطنهم».

المشهد الثاني كان في مساء اليوم نفسه إذ يقول الكاتب: «وفي المساء حين أرسل القطار صفارته العالية انهمرت دموع غالبية الركاب بينما عمت المحطة نوبة من العويل والصراخ في أوساط المودعين، وأخذت أتسمع بانتباه إلى ما يقولون بالنوبية وهم يلوحون بعمائمهم للمسافرين قائلين (أفيال وقو.. هيروقو) أي (رافقتكم العافية.. وعلى خيرة الله). وعندما أخذ القطار يتحرك كان الحلفاويون قد خطوا فعلا أولى خطى الخروج من ديارهم التي ستغمرها مياه السد العالي بعد حين، وظل المسافرون يحدقون في موطنهم حتى تضاءل في أنظارهم كلما أوغل القطار جنوبا واختفى بعيداً عن الأنظار».

أما المشهد اليوم في وادي حلفا فيختلف تماما. يرويه لنا الباحث في تاريخ وتراث النوبة أيوب اسماعيل الذي ألّف ستة كتب في هذا المجال ولديه ثلاثة كتب تحت الطبع ويقول إن ألف أسرة رفضت التهجير وظلت تنتقل من مكان لمكان تبعا لعملية الغرق التي تتعرض لها الأماكن بسبب بحيرة السد التي يصل ارتفاعها الى 182مترا، حتى استقروا عام 1972 في المكان الحالي وبدأت المدينة بخمسة أحياء وتم توفير الخدمات الأساسية ببطء شديد. ويقول إن المنطقة انتعشت بعد وصول خط السكة الحديد ثم قيام الميناء النهري حيث يبدأ منها السفر لجمهورية مصر العربية.

ويقول أيوب إن معظم الخدمات تمت بالعون الذاتي، خاصة المدارس والمساجد ووصل عدد الأحياء السكنية إلى 31 يسكنها الذين عادوا من حلفا الجديدة، إضافة للسكوت والمحس والمناصير وقبائل أخرى من مختلف أنحاء السودان وتم تخطيط المدينة حتى معبر أشكيت الذي افتتح فيه مؤخرا الطريق البري الذي يربط بين مصر والسودان.

ويرى أيوب أن الوضع الجديد بعد السد العالي فيه مكاسب غير مستغلة، حيث يوجد حوالي 70 ألف فدان من الأراضي المغمورة بالطمي لارتفاع 25 مترا ويقول :»هذا أمر نادر جدا في العالم ويجب اعتماد هذه المنطقة محمية زراعية ذات خصوبة طبيعية مذهلة، فمعروف أن العالم يعاني الآن من مشكلة الخضروات والفواكهة المزروعة بالأسمدة الكيميائية « ويطالب الحكومة السودانية بدعم السكان ليستطيعوا زراعة هذه المنطقة بالطرق العلمية.

الفائدة الاخرى هي بحيرة السد العالي ويقول أيوب إن فيها ثروة سمكية هائلة لا يستفاد الآن سوى من 5 في المئة منها وذلك لأن الصيادين يستخدمون الوسائل التقليدية في بحيرة يصل عمقها إلى 182مترا ويحتاجون لإمكانيات ضخمة ووسائل حديثة لتوفير الأسماك لكل مناطق السودان وخارجه.

ويقول أيوب إن الطريق البري يشكل تهديدا كبيرا لمصالح السكان المرتبطة بالميناء النهري الذي تراجع كثيرا ومهدد بالتوقف. ويضيف:»يعتمد السكان في معاشهم على العمل في الميناء ويستفيد أصحاب الشاحنات والفنادق والمقاهي والمطاعم والبقالات من حركة المواطنين بين مصر والسودان عبر الميناء وبوجود الطريق البري يتوقف العمل في الميناء ولا فائدة حاليا لمواطني وادي حلفا من الطريق البري الذي يبعد 27 كيلومترا من البلدة ومعظم الفائدة تجنيها الحكومة المركزية في الخرطوم».

وبعد أكثر من نصف قرن من تهجير أهالي وادي حلفا تنتعش المنطقة من جديد، حيث تشهد توسعا سكنيا كبيرا بعودة الحلفاويين من حلفا الجديدة وبقية المدن التي تشتتوا فيها، لكن المنطقة – حسب السكان الحاليين- تحتاج لاهتمام حكومي يجعلهم يستفيدون من الأراضي الخصبة وأسماك بحيرة النوبة ويطالبون كذلك بمنطقة حرة في أشكيت حيث افتتح مؤخرا الطريق البري بين مصر والسودان.

صلاح بيرم

مارس 2008

تواصل مع المجلة

www.wadihalfa.net