الرئيسية » الولايات» أنت تقرأ وتشاهد وتستمع

كاريزما قرنق

RSS تعليقات RSS قارئ Atom قارئ 104 0 أضف تعليق

عبد الله الشيخ
كان جون قرنق ديمابيور، نسمة باردة في حياة السودانيين الجديبة، هو القائد الواثق من نفسه صاحب “النكتة” .. هو الابن العائد الذي ألهب حماس أهله بالمستقبل، وبعث فيهم أملاً بـأن الحرب وضعت أوزارها، وأن عهد رفع السوداني للسلاح في وجه أخيه السوداني قد ولى .. هو زعيم لا يشبه “سادة أفريقيا الجدد، الذين أفواههم كأفواه الذئاب”.. كان مختلفاً عن نماذج القيادات التي تحكمت فى حياة السودانيين منذ الاستقلال وحتى الآن.
شكَّل رحيل قرنق المفاجيء في مثل هذا اليوم، صدمة ووجعاً لا ينتهي في أفئدة طالبي الإخضرار لشعبنا الذي ضربه الجفاف الفكري، وزحفت عليه رمال التصحر العقائدي، وحكمته تعسفيات سوء الطوية.. ستذكر الأجيال د. قرنق بالخير، فقد كان سودانوياً جداً.. عندما وقّع على اتفاقية السلام الشامل لم يفهم تلك الاتفاقية على أنها محاصصة أو سانحة سلطوية أو أنها مكاسب ذاتية أو جهوية أو قبلية، وإنما كان يراها اتفاقية لبناء مستقبل كل أبناء السودان، من حلفا إلى نمولي من الجنينة إلى البحر الاحمر. كان متفرداً، هو الوحيد الذي طبَّق شعار أعداء الله والوطن “لا للسلطة ولا للجاه”.. ستبقى ذكراه حاضرة فى الأجيال السودانية، لأنه ضرب مثلاً نادراً في الإخلاص لتراب هذا البلد، ولو كان بيننا لما تفكك السودان هكذا، ولما استعلت علينا هذه القشاعم!
لم يكن شعاراتياً يبيع الكلام، كان وجهاً مشرفاً لأهل السودان، مفكّراً ذكياً ومناضلاً يعرف الطريق ولا تبتلعه التفاصيل ولا المرارات الشخصية.. ولأنه جسور فقد خاض المعارك العسكرية والتفاوضية ولم يساوم في حقوق البسطاء المستضعفين ولم يوزع الغنائم لأهل بيته، مثلما يفعل شذاذ الآفاق.. لم يوزع السودانيين إلى كيمان وقبائل ليلهي بعضهم بألقاب زائفة ومكاسب توظيف على حساب تماسك الكيان الوطني.. دارفور مثالاً..هكذا تحدث قرنق: “لنتقبل أنفسنا كسودانيين أولاً وقبل كل شيء، العروبة لا تستطيع توحيدنا، الافريقانية المضادة للعروبة لا تستطيع توحيدنا، الاسلام لا يستطيع توحيدنا، المسيحية لا تستطيع توحيدنا ، لكن السودانوية تستطيع توحيدنا”..
قرنق هو الذي وضع يده على الجرح السوداني وحارب وهم الاستعلاء الذي هو آفتنا الكبرى الأشد فتكاً من الجهل والجوع..كان ظهوره في القصر الجمهوري وعداً بالخلاص من جبايات الإنقاذيين التي لا مثيل لها ولا حتى في أيام التركية السابقة..
لكن الرجل رحل مثل غيمة مطر، وشاعت أجواء الخيبة.. كانت الآلة العسكرية والإعلامية للأخوان المسلمين قد سُخِّرت ضده منذ عام 1983م، ورسمت له في مخيلة العامة صورة بعبع مخيف له “قرون”..!
دخلت كازوما قرنق كل بيت خلال أيام وسحب حضوره في القصر البساط، من تحت الأقدام التي يطربها صرير الموكيت والسجاجيد المزركشة المطرزة.. أفزع قرنق خلال ثلاثة أسابيع أبالسة القصر، الذين يعتقدون بالخلود هناك .. كان متصالحاً مع نفسه.. كارزما دون رتوش أو مكياج، ودون حشود يستجمعها التنظيم الحاكم بالإغراءات وبالحافلات.. حظي قرنق بالقبول الجماهيري، لأن روحه حية نابعة من إرث قديم لشعب صابر يعرف أن قائده الحقيقي هو أول من يضحي وآخر من يستفيد.. لو كان قرنق بيننا لغمرت بركاته حتى الأعداء.. كان قمراً أكّد سطوعه في ساعة قصيرة ليغيب فجأة عن سماء التطلع..كان رحيله فجائياً، وغريبا، وغامضاً.. وذاك بعضٌ من حال السودان “المايل”..!

رابط كاتب المقال :

التعليقات المشاركة 0 تعليق . (RSS 2.0) شاركنا التعليقات

  1. لا توجد تعليقات الأن كن أول من يعلق.

التعليقات

تواصل مع المجلة

www.wadihalfa.net