الرئيسية » حوارات» أنت تقرأ وتشاهد وتستمع

عواصمنا المحتلّة

RSS تعليقات RSS قارئ Atom قارئ 28 0 أضف تعليق

تضافرت طاقات المستبدين حتى لم يجدوا في إذلال رعيتهم مشقة، وتضافرت خيانات الرعية ومخاوفها حتى لم تجد حرجًا في اعتبار المستبد ربًا، لا آدم من صلصال، وزبانيته ملائكة من نور جبريل وميكال، فإذا منح المستبد الشعوب بعض الخبز، قالوا: ولي النعمة. وإذا عوى كضبع شبه الجزيرة العربية في وجوههم، قالوا: ما أحلاها نغمة. وإذا أمسكت السماء عنهم غيثها، قالوا: مِن سخط السلطان. وإذا أطلقت السماء رزقها، قالوا: مِن سماحة السلطان. قد ناصفوا العبودية بين الله ومستعبدهم، وناصفوا العرش بين عدوهم وعميله، وناصفوا شرف كونهم إنسانًا مستقل العقل والقلب بين مغتصبهم ومغتصبهم، إننا في حضرة احتلال ناعم وآخر سمج لأكبر عواصمنا، فكيف لمدينة المَحْمَدة المحتلّة أن تنجد القدس المحتلة؟

عندما شلت الحركة النازية القائمة على المفاضلة العرقية، وشلت الحركة الفاشية القائمة على ديكتاتورية الحكم، حينها تحررت أوروبا من قيود الإبداع. إن الذين تساءلوا: كيف تفوق الغرب على الشرق؟! ثم أجابوا وفقًا لما أرادوا إقناع أنفسهم وغيرهم به مرددين: تفوق بالعلم. لقد حاد هؤلاء عن جادة الحق والحقيقة في إجابتهم، فالغرب تفوق بشل الحركات الاستبدادية، وإسقاط الأنظمة الجائرة الجائعة التي تقتات من لحم الشعوب الغض الطري دائمًا بالنسبة لكل مستبد، وتفوق برفع لواء الحريات واحترام الإنسان بغض النظر عن عدم احترامه لأخيه الإنسان من خلال استعماره واستدماره، فهذا شأن فيه تفصيل آخر، أما العلم فهو حالة إبداعية وثمرة حتمية للمبادئ التي تم إرساؤها هناك. لكن في مدينة المَحْمَدَة استبداد سلطوي، عسكري، ديني. وأخوف ما يخافه من يدين بدين الحرية على أهله وعشيرته هو الاستبداد الديني فالسلطوي أكثر من أي نوع آخر.

إنه لا أشبه بالضبع من سلطان مدينة المَحْمَدة، يكتسي أسمال المسكنة ليحقق الهيمنة الدينية باسم الله، ويحقق الهيمنة السلطوية باسم الوطن والوطنية، ولن يستعصي عليه بعد ذلك أي مفصل من مفاصل الدولة أو المملكة، هكذا خدع العرب هناك قبل عقود وما زالوا يخدعون.

 إنه لا أشبه بالضبع من سلطان المدينة المَحْمَدة، يكتسي أسمال المسكنة لتأنس الرعية به، وتروض على جوره وطغيانه حتى تحسبه حقه عليها، وهذا لعمري هو الاستبداد الديمقراطي. ويقتات الضبع من الجيفة لأنها أكثر سهولة، فيما يدخر قوته وجبروته للحاجة الملحة، وحاجة السلطان الملحة هي انتفاض الأحرار في وجهه، لحظتها فقط تظهر حقيقته، وحشًا كاسرًا يلتهم فريسته حتى لا يبقي منها إلا دماءها، فيسجن الحر الذي لا ينشد إلا كرامته الإنسانية وكرامة أهله، وحقه في أمواله وأرضه وعرض وطنه، ويكمم صوته، وتقمع مسيرته، ويكسر قلمه، وتعطل مصالحه، ويحجب وجهه عن القوم، ويصورونه لعشيرته في حلة شيطان مارد، ويصير هاربًا بدل اللصوص، هاربًا في حلة لاجئ سياسي. وربما تسنح السانحة فيغتال، فالطغاة لا يعسر عليهم إلا التحرر من أوهامهم وجنون العظمة والعنجهية.

المستبد خادم لزوجته وأسياده، وليس خادمًا لحرم المؤمنين، وشاء أسياده أن يوهموا الشعوب بأنه لا صراع بين الغرب والشرق، وأن طواغيت الحكم قد منحوا الرعية أكثر مما تستحق، ومن أجل مشيئة الأسياد تمنع المظاهرات في مكة باسم الله والوطن، ويرتفع صوت بعض الرعايا الحمقى «لن ننصر المسجد الأقصى»، ويسمى السلاح في القدس إرهابًا. فإذن، التحرير يبدأ من المَحْمَدة بإسقاط الهيمنة الدينية التي يريدون من خلالها منح الاستعمار الصهيوني شرعية التواجد على أراضينا، وإسقاط الهيمنة السلطوية التي يريدون من خلالها أن نصطف ضد الأحرار في كل مكان، ونعيش في نعيم الذل والخذلان خوفًا من المواجهة التي جعلونا نتصور أنها جحيم.

ومسك الختام وصيتان من وصايا رائد الحرية في عصره «عبد الرحمن الكواكبي»، يأبى هذا القلم إلا أن تكونا متلازمتين، يقول: إن خوف المستبد من نقمة رعيته أكثر من خوفهم بأسه». ثم يتابع قائلًا: «الاستبداد لا يقاوم بالشدة إنما يقاوم باللين والتدرج». فلا تثريب اليوم على الأحرار.

تنويه:. يقوم الموقع بجمع الأخبار والمقالات من الصحف السودانية والعالمية، ويصنفها، ثم يرتبها حسب أهميتها. كل ذلك يتم بطريقة آلية.الحقوق محفوظة لاصحابها.موقع وادي حلفا غير مسؤول عن المقالات اوالتعليقات الواردة أنما مسؤولية كاتبها.

التعليقات المشاركة 0 تعليق . (RSS 2.0) شاركنا التعليقات

  1. لا توجد تعليقات الأن كن أول من يعلق.

التعليقات

تواصل مع المجلة

www.wadihalfa.net