الرئيسية » حوارات» أنت تقرأ وتشاهد وتستمع

الازورار عن وجهة الحب في الدعوة إلى الله تعالى

RSS تعليقات RSS قارئ Atom قارئ 7 0 أضف تعليق

من المعلوم بداهة أننا نعيش في زمنٍ تكالَبَ الأعداءُ فيه على الجسد المخدَّر للأمة، وَزَرَعَ المناوئون لبذرة الحبِّ بذورَ الكراهيةِ، وجعلوا على القلب كِنانًا، وعلى البصر غِشاوةً ورَمَدًا، حتى حالَ دونَ التعرفَ على حقيقة كتاب الله الخالد وحقيقة نبيِ الحبِّ والإنسانيةِ.

ومما يملأ القلب أسىً أنَّ أتباعَ هذا النبي الرحيم صلى الله عليه وسلم أصابـهم ما أصاب المعتلين من أبناء الأمم الأخرى المعتلة، وكلُّ من رَمَقَنا ببصيرته انتابه شعورٌ بالأسى على حال الأمة الـمُزري التي واقعها عليلٌ، وبصرها بكتاب ربـِّها كليلٌ، وأمرها فرطٌ، وأفئدتـُها هواءٌ، وكلتا يديها يسارٌ.

ومن لحظنا خالجه إحساسٌ بالحزن، وأبصر كِسَفَ الظلام تتراكم على وجهها، ورأى كيف أن كتاب الله يحلِّق في الآفاق ويجوب في هذا الكون الفسيح بيد أن محبيه يعيشون في الجحور ويكابدون ضَنَكَ الحياةِ وأعينُهم تُحَملِقُ في الحضيض، وهم يقدمون إسلامًا مهشَّمًا مشطورًا شانه مَسخٌ وشابَه جَهلٌ.

ورأى كيف يَنشُر القرآنان؛ القرآن الناطق والقرآن الماشي – بآبائنا هو وأمهاتنا – آياتِ الودِّ والوئامِ والحبِّ والسَّلام، بَيدَ أن أناسي كثيرًا من عُشَّاقهما وذويهما، ومِن قبلِهم عُشَّاقُ إبراهيمَ وموسى وعيسى – عليهم الصلاة والسلام – قد أصابـهم الضَّعفُ والخَوَر، وداهمهم الخطأُ والخطل، وفارقت الابتسامةُ وجوهَهم، والمحبةُ قلوبَـهم، والعفوُ والتسامحُ فعالَـهم وأقوالـَهم، بسبب الازورار العنيد عن الوجهة العتيدة التي رسمها لهم رسلُ الإنسانية وبُرُدُ الحبِّ والسَّلام – عليهم من الله أفضل صلاة وأتم سلام – ومِن ثَمَّ شرع الكلُّ يَعرِض دينَه مزوَّرًا عبوسَ المـُحَيَّا، دميمَ الوجه، غضوبَ المظهر، مُكْفَهِرَّ المخبَر، مشوبًا بما يثير السُخطَ والغثيان، وأيديهم ملطَخة بدماء الأبرياء وهم يَخالونَ أنفسَهم سائرين على درب موسى وعيسى ومحمد – عليهم الصلاة والسلام – وباسمهم يَذبحون ويُذبَحون، وتحت رايتهم يَنهبون ويُنهَبون، والكل يعبدون الله ويقتلون عباد الله، وحتى الطواغي نراهم في المساجد والكنائس يرتِّلُونَ تراتيلهم ويَتلون أورادَهم ويَظهرون على شاشات التلفاز يرفعون إلى الله تعالى أيديَهم المتلطخةَ بدماءِ الأبرياء.

ورحم الله من قال:

قد بُلِينا بأميرٍ ظلم الناسَ وسبَّح *** فهو كالجزَّار فيِنا يذكر اللهَ ويذبح

وإذا جاز لي أنْ أخاطب سادتي – أعني رسلَ اللهِ الكرامَ – فردًا فردًا فإنني أردد مع أمير الشعراء أحمد شوقي قوله وهو يخاطب المسيح – عليه السلام -:

يا حامِلَ الآلامِ عَن هَذا الوَرى كَثُرَت عَلَيهِ بِاسمِكَ الآلامُ

أَنتَ الَّذي جَعَلَ العِبادَ جَميعَهُم رَحِمًا، وَبِاسمِكَ تُقْطَعُ الأَرحامُ

ووصل بنا الحال أن أضحينا مثارًا للسخرية والاتـهام بالعنف والكراهية، وَوُصِمَ كتابُ ربِّنا بكتاب السيف، ولم يقِف جُلُّ شبابِنا أمامَ هذه الاتـهاماتِ إلا عانيَ الوجه، مكسورَ الشوكة، فانخدعوا بمثل ذلك السراب، وظنوا نفعًا لهم ما هو بـهم ضار، ودواءً لهم ما هو بـهم داء.

وإذا كان بصرنا بحقائق ديننا كليلًا، وفهمنا لمراميه عليلًا فأنَّى لا نكون فتنةً لغيرنا، وأنَّى يداوي أحدُنا غيرَه وهو عَليل؟!

ولو كانت لنا إلمامة بالذكر الحكيم وسيرةِ الأمين وسريرتِه صلى الله عليه وسلم لـما راعَنا هذا البريقُ، ولما هالَنا هذا التخويفُ، وأقولها دونما مواربةٍ أن ما يقدمانه للناس إنما هو موسوعة موارة بنشر الوئام والحب ونبذ الكراهية، والدواء النجيع لما أصاب العالم من دُوار، ولما اعترى خطواته من عِثار.

انظر نظرةً عَجلى إلى البون الشاسعِ بين تعاليمِ القرآن والتقاليدِ الآسنةِ لأهلِهِ وذَويهِ ومُحِبيهِ، ثم ارجع البصرَ كرَّتين ينقلب إليك البصرُ خاسئًا وهو حَسير!

إخوتي الأكارم، قديمًا قال أجدادُنا: مَنْ نَـهَشَتْهُ الحَيَّةُ حَذَر الرَّسَن، ولا إخالني وإياكم بمنأىً عن نـهَشاتِ الحَيَوات ونَـهَسَاتِـها، فتعالَوا معي نقرأْ معًا بعضَ الآيات الكريمات ونستنطقْها ونستجدِها ونسترشِدْها علَّنا نستخرجُ من بحور معارفها وأشفيتها ما يعالَجُ به العليلُ، ويُروى به الغَليلُ، ويُطرح به الأسمالُ الفكرية التي أزرت بالأمة، عسى أن نثوب إلى رشدنا ونؤوب من دَشتِ الضلالة القاحل إلى نواضر أَيْكِ الإيمان.

ولا أخفيكم بأن هناك آية في القرآن أذهلتني وجذبتني، فانجذبت إلى حضنها الدافئ وصدرها الحنون أيـَّما انجذاب، وكأني أقرؤها وأسمعها لأول مرة، والسؤال الذي كان يراودني بين الفينة والأخرى: لِـمَ لـَمْ يُعَرْ لها الاهتمام الذي تستحقه؟!

وكلما قرأتـها انتابني شعور بالأســى والحزن البالغ على هذا الازورار العنيد عن المقاصد القرآنية للحب والتسامح والسلام.

والآية هي الآية الرابعة عشرة من سورة الجاثية. يقول المولى عز وجل فيها آمرًا حبيبه وصفيه – صلى الله عليه وسلم – أن يبلِّغَ جميعَ أمتِه بأن يغفروا لجميع الذين لا يرجون أيام الله تبارك وتعالى «قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ».

وهنا ربـما يخطر بالبال إشكالٌ مفادُه أن هذا الأمرَ إنما كان في أيام ضَعف المسلمين واستضعافِهم مِن قبل الطواغي والمجرمين من أهل مكة فلذلك لا ينبغي أن يعمَّمَ، بل يُجعلُ خاصًّا بحالة الاستضعاف والتشرذم.

بَيدَ أنَّ هذا الإشكالَ سرعانَ ما يتلاشى أمامَ أنوارِ الآياتِ القرآنيةِ الأُخرى وأمامَ السيرةِ الزكيةِ لصاحب أطهرِ قلبٍ عرفته البشرية – صلى الله عليه وسلم -.

فقد ثبت أن النبي – صلى الله عليه وسلم – حين كُسِرَت رباعيتُه، وجُرِحَ وجهُهُ، وهُشِّمَت البيضةُ على رأسه، قال: «اشتد غضب الله على قوم كَلَمُوا وجهَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم»، ثم مكث ساعة، ثم قال: «اللهم اغفر لقومي فإنـَّهم لا يعلمون».([1])

وفي صحيحي البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه -، قال: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يحكي نبيًا من الأنبياء، ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».([2])

ما أعظمك يا رب! ما أكرمك يا رب! تأمرنا جميعًا بأن نغفر لمن لا يرجوك ولا يرجو أيامك! ولكن لماذا لم تُعط هذه الآية حقَها! لماذا لم يَقِف عندها طويلًا أولو الألباب والنُهى والأقلامُ من علمائنا! أليست الآية مستحِقةً للتريث هُنيهةً أمام عَتَبةِ بابِـها والتزودِ من زاد محرابـها! أسئلةٌ وأسئلةٌ ما زالت تدغدغ مشاعري وأحاسيسي.

ويقول المولى – عزَّ وجلَّ – في الآية الثالثة عشرة من سورة المائدة «فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ».

وبنظرة عجلى على هذه الآية الكريمة يجلو لنا ما يأتي:

أولًا: إن اليهود نقضوا ميثاق الله الذي واثقهم به، والآية تتحدث عن بني إسرائيل: أو عن بني النضير الذين هـَمـَـُّوا بقتل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأصحابِه – رضي الله عنهم – حين أتاهم يستعين بـهم في دية العامريين – كما قال الطبري رحمه الله -.

ثانيًا: إن الله تعالى عاقبهم على فعلهم الشنيع هذا بأن لعنهم وطردهم من رحمته.

ثالثًا: جعل الله قلوبـهم قاسية.

رابعًا: اليهود حرفوا كلمات الله عن مواضعها.

خامسًا: وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ.

سادسًا: وَلا يزالُ النبي صلى الله عليه وسلم يَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، فَأَطْلَعَهُ اللَّهُ – عَزَّ ذِكْرُهُ – عَلَى مَا قَدْ هَمُّوا بِهِ، ثُمَّ أخبرهم بأن آخِرَهُمْ عَلَى مِنْهَاجِ أَوَّلِهِمْ فِي الْغَدْرِ وَالْخِيَانَةِ، لِئَلَّا يَكْبُرَ فِعْلُهُمْ ذَلِكَ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

والنتيجة المدهشة: أنَّ الله تبارك وتعالى مع كل هذه الآثام البشرية والعقوبات الإلهية يأمر الحبيب صلى الله عليه وسلم بجملة أمور:

الأمر الأول: أن يعفوَ عنهم.

الأمر الثاني: العفو وحدَه لا يكفي بل ينبغي أن يَصفح عنهم بألا يَتـرُكَ أثرَ هذا الذنب يَعملُ في قلبه، بل يأتي بالصفح حتى لا ينشغل قلبُ المؤمن بشيء قد عفا عنه.

الأمر الثالث: العفوُ والصفحُ ليسا بكافيين، بل يجب أن يبحث المؤمنُ عن أسباب نَيلِ مرتبةِ الإحسان بأن يُحسن، ليس فقط إلى المحسِن، بل إلى المُسيء ويقابل إساءَتَـهم بالإحسان، وبذلك ينالُ مَحَبَّةَ اللهِ تعالى «وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ».

وإذا خطر ببالك سؤالٌ عن سِرِّ هذه الأوامرِ الإلهية فإنَّ الجوابَ يَنجَلي لك بمجردِ أنْ تُفكِّرَ في حال ذلكم المريضِ الرَّاقِدِ الذي تـهفو نفسُه إلى شيءٍ من الحَنان واللُّطف والرَّحمة والشَفَقَةِ التي يُـبديها طبيبُه المعالِـج، ومعلومٌ أن المرضَ كلما اشتدَّ كانَ صاحبُه بحاجةٍ أكثرَ إلى حنانِ الطَّبيبِ وشفقتِه، إذ ليس مَن برأسه صُداعٌ كمَن هَدَّت الخلايا السرطانيةُ جَسدَه الـمُـنهَك وبدأت تـَنخُر كِيانَه.

فإذا كان حال مرضى الأبدانِ هكذا، فكيف بمرضى القلوبِ الذين تغلغلت خلايا الكفر والإلحاد والعصيان داخلَ قلوبهم وخَرَقَت شِغافَها! لا إخال السؤالَ بحاجةٍ إلى جواب.

يُروى عن الشيخ معروف الكرخي – رحمه الله – أنه كان جالسًا مع لفيفٍ من مريديه وطلابه على شاطئ دجلة الخلَّاب، فإذا بزرَافةٍ من الشباب يَرقُصون ويَطرَبون وهم سكارى، فالتفت المريدون والطلاب إلى شيخهم وطلبوا منه أن يرفع يديه إلى السماء ويدعو عليهم بالهلاك، وسرعان ما استجاب الشيخ العارف لطلبهم ورفع يديه إلى السماء مبتهلًا إلى الله القدير: اللَّهم كما أسعدتَـهُم وفرَّحتَهُم في الدنيا فأسعِدهم وفَرِّحهم في الآخرة، فاستغرب الطلاب والمريدون، ولولا مراعاةُ الأدب مع المربي لشرعت أماراتُ السُخط تبدو على محياهم وتُبدي خبايا نفوسهم، بيد أن استغرابـهم هذا سرعان ما تلاشى لـَما رأوا تلكم الجماعة بعدما أنـهوا مجلسَ طَربِـهم شدَّهم الملامحُ النورانيةُ المرتسمةُ على وجه الشيخ الجليل، وهَرَعوا إليه وتابوا على يديه، ثم نظرَ العارفُ الرباني إلى شيعته وقال: هكذا يُسعدهم في الآخرة.

فيا من تدعي الانتساب إلى أرأف وأشفقِ وأطهرِ قلبٍ عرفته البشرية – بآبائنا هو وأمهاتنا -، املأ قلبَك مِن فيض رحمته حتى تكون – كما كان هو – رحمةً للعالمين، حتى تكون – كما قال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالى – ذلك الإنسانَ الذي إذا أَرَدْتَ أنْ تأويَ إليه فأنتَ آمِنٌ على دينك ودنياك في كَنَفِه، وذلك السيدَ الحصيفَ الذي لم يزورَّ مثلَ هذا الازورار العنيد عن الوجهة العتيدة، وبفضل الله نُلفي من أولئكم الأفذاذ أناسي كثيرًا.


([1]) رواه الطبراني المعجم الكبير للطبراني – من حديث سهل بن سعد – رضي الله تعالى عنه – برقم: ‏5726.‏

([2]) صحيح البخاري – كتاب أحاديث الأنبياء – باب حديث الغار، وصحيح مسلم – كتاب الجهاد والسير – باب غزوة أحد.‏

تنويه:. يقوم الموقع بجمع الأخبار والمقالات من الصحف السودانية والعالمية، ويصنفها، ثم يرتبها حسب أهميتها. كل ذلك يتم بطريقة آلية.الحقوق محفوظة لاصحابها.موقع وادي حلفا غير مسؤول عن المقالات اوالتعليقات الواردة أنما مسؤولية كاتبها.

التعليقات المشاركة 0 تعليق . (RSS 2.0) شاركنا التعليقات

  1. لا توجد تعليقات الأن كن أول من يعلق.

التعليقات

تواصل مع المجلة

www.wadihalfa.net